زكي مبارك
22
عبقرية الشريف الرضي
أسر بهن أقواما وأرمي * أقيواما بثالثة الأثافي ( 1 ) ويهمني أن أوجه أنظاركم إلى قوله في هذا القصيد : وأكذب بالتصون مدعيهم * وألجم قائليهم بالعفاف فهو يؤيد ما افترضناه من قبل ، ويبين لكم أن الشريف كان يعرف أن هناك جماعة من الأنذال يسوئون سمعته ويذيعون عنه الأباطيل ليغضوا من قدره بين الناس ، فيخلو لهم الجوّ إذ يقضي عليه التجريح الآثم بالخروج من الميدان . أيها السادة : في ديوان الشريف أشعار كثيرة عن الأقارب والأصدقاء الذين يعرفون الرجل في أيام النعماء ، وينكرونه في أيام البأساء ، وهي أشعار جيدة . ولكنها في مراميها لا تعدّ من المبتكرات ، لأنها مما تعاورته سهام الشعراء في القديم والحديث . فلنترك هذه الناحية ونقف لحظة عند الأزمة التي وقعت بين الرضي وأخيه المرتضى . لا تحدثنا كتب التراجم عن أسباب الجفوة التي وقعت بين ذينك الأخوين ، ولكننا نعرف أنهما لم يكونا مؤتلفين كل الائتلاف ، لأن مذاهبهما في الحياة كانت مختلفة بعض الاختلاف ، ويمكن الحكم بأن الرضي كان جمهوره من أهل الأدب ، وأن المرتضى كان جمهوره من أهل
--> ( 1 ) المراد بثالثة الأثافي الداهية ، وثالثة الأثافي هي في الأصل الجبل ، وذلك انهم كانوا إذا لم يجدوا ثالثة الأثافي أسندوا القدر إلى الجبل ، والأثفية بالضم والكسر الحجر توضع عليه القدر .